مفتي الجمهورية: الأزهر هبة إلهية ومنارة حضارية تحفظ هوية الأمة وتُجسد وسطية الإسلام
كتب:مصطفى على
في أجواء روحانية وعلمية مهيبة، شهد الجامع الأزهر احتفالية كبرى نظمتها هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، بمناسبة ختم شرح كتاب “علل الترمذي” للإمام ابن رجب الحنبلي، والتي ألقاها وشرحها فضيلة الأستاذ الدكتور أحمد معبد عبد الكريم، عضو هيئة كبار العلماء، وذلك تحت الرعاية الكريمة لفضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف.
وخلال هذه المناسبة المتميزة، ألقى فضيلة الأستاذ الدكتور نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية ورئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، كلمة مؤثرة أكّد خلالها على الدور الفريد الذي يؤديه الأزهر الشريف في نشر العلم، وترسيخ الوسطية، وصون التراث الإسلامي، واصفًا الأزهر بأنه “هبة إلهية وسُنّة كونية، وبيت معمور لا تغيب عنه أفئدة طلاب العلم من مختلف بقاع العالم”.
علم الحديث.. مجد الأمة وركن من أركان التميز الحضاري
واستهل مفتي الجمهورية كلمته بالإشادة بعلم الحديث الشريف، واصفًا إياه بأنه “من أعظم مفاخر الأمة الإسلامية”، حيث انفردت به بميزة منهجية دقيقة في التمحيص، والتمييز بين الصحيح والسقيم من مرويات السنة النبوية، مما يجعله أحد أعمدة صيانة الدين وفهم الشريعة.
وأشار فضيلته إلى أن إتمام شرح كتاب “علل الترمذي” داخل رحاب الجامع الأزهر لا يعد مجرد مناسبة علمية، بل هو تتويج لمسيرة من العمل العلمي الرصين، وتجسيد حي لرسالة الأزهر الممتدة عبر العصور في حفظ السنّة النبوية، وتخريج العلماء القادرين على التمييز والتحقيق، والنهوض بالعلوم الشرعية في وجه التحديات الفكرية الراهنة.
فهم السنّة النبوية.. بين صفاء الفطرة وعلو الهمة
وفي محور آخر من كلمته، بيّن مفتي الجمهورية أن التعامل مع السنة النبوية المطهرة لا يجب أن يقتصر على ظاهر النصوص فقط، بل يتطلب – كما قال – “صفاء في الفطرة، وسموًا في الفهم، وعلوًا في الهمة”، مؤكدًا أن هذا النهج هو ما يُميز المدرسة الأزهرية التي جمعت بين نقل الراسخين وعقل المتدبرين.
وأضاف أن المجالس العلمية الكبرى، مثل مجلس شرح “علل الترمذي”، ليست فقط للحفظ والاستظهار، بل تُعد محاضن تربوية ومعرفية، تُعيد تشكيل وعي الأجيال، وتُعزز من صلتهم بالميراث النبوي الأصيل، ما يُكرّس دور الأزهر كحارس للهوية، ومنبر للعلم، ورافدٍ لفهم سليم للدين.
الإمام الأكبر ورعاية المجالس العلمية.. رسالة للأجيال
وخلال كلمته، توجه مفتي الجمهورية بخالص الشكر والتقدير لفضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر، على رعايته الكريمة لهذه المجالس العلمية، التي وصفها بأنها “من أبرز ملامح الدور الحضاري والتربوي للأزهر الشريف”، موضحًا أن انعقاد هذه الفعالية في رحاب الجامع الأزهر يحمل دلالة رمزية عميقة، باعتباره مركزًا علميًّا عالميًّا حافظًا لتقاليد الأمة، ومصدر إشعاع حضاري متجدد.
وأكد فضيلته أن هذا التلاقح العلمي بين الأجيال، عبر مثل هذه الفعاليات، هو جزء لا يتجزأ من مهمة الأزهر في الحفاظ على وحدة المرجعية الدينية، وتقديم نموذج عالمي في الفهم المعتدل، وتخريج علماء قادرين على مواكبة العصر دون التفريط في الأصول.
حضور علمي رفيع يجسد عمق الانتماء للأزهر
وقد شهدت هذه الاحتفالية حضورًا علميًّا وقياديًّا رفيع المستوى، تصدره فضيلة الأستاذ الدكتور محمد الضويني، وكيل الأزهر الشريف، وفضيلة الأستاذ الدكتور سلامة داوود، رئيس جامعة الأزهر، والأستاذ الدكتور محمد عبدالدايم الجندي، الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية، إلى جانب عدد كبير من أعضاء هيئة كبار العلماء، وهيئة التدريس، والباحثين، وطلاب الجامعة من مختلف التخصصات.
وامتلأت أروقة الجامع الأزهر بروح التقدير لهذا الحدث العلمي النوعي، الذي جسّد المعنى الحقيقي لتواصل الأجيال، وعكس عمق الانتماء لتراث الأمة، ووعي الشباب بقيمة هذا الإرث العلمي الذي يُمثّل سلاحًا في مواجهة الجهل والتطرف والانحراف الفكري.
دعاء وختام.. الأزهر نبراس وسطية الأمة
واختتم مفتي الجمهورية كلمته بدعاء ضارع إلى المولى عز وجل أن يُبارك في جهود علماء الأمة، وأن يحفظ الأزهر الشريف منارةً للعلم، ونبراسًا للهداية والاعتدال، وسندًا للأمة في معركتها نحو التنوير والإصلاح، مؤكدًا أن الطريق إلى نهضة الأمة يبدأ من مجالس العلم، ومواصلة حمل الرسالة التي ورثناها عن سلفنا الصالح من علماء الحديث والفقه والتفسير.
