Blog

بعد حريق سنترال رمسيس.. حرائق متصاعدة تكشف غياب الرقابة وهشاشة البنية التحتية

استاذ الإدارة المحلية: الحرائق تحولت إلى ظاهرة.. وغياب التنسيق بين الوزراء والمحافظين يزيد تفاقم الأزمة

تقرير – آيــة زكـي 
تشهد مصر خلال الساعات الأخيرة تصاعدًا ملحوظًا في عدد الحرائق التي طالت منشآت حيوية ومبانٍ سكنية وتجارية وصناعية، ما دفع العديد من الخبراء والمختصين إلى دق ناقوس الخطر، والتحذير من ضعف منظومة الحماية المدنية وغياب آليات الرقابة والتفتيش الدوري، خصوصًا على مستوى الإدارات المحلية.
وجاء الحريق الهائل الذي اندلع قبل أيام في مبنى “سنترال رمسيس” بوسط القاهرة، ليمثل نقطة تحول فارقة في مسار النقاش العام حول خطورة استمرار غياب آليات الوقاية والسلامة في مؤسسات الدولة ومنشآتها، فضلًا عن ضعف التنسيق بين الجهات المحلية المعنية.
الحريق الذي استمر لساعات طويلة، وأسفر عن مصرع أربعة موظفين وإصابة العشرات، تسبّب في شلل واسع في خدمات الاتصالات والإنترنت، كما ألقى بظلاله على قطاعات حيوية كالبنوك والهيئات الحكومية وشبكات الدفع الإلكتروني،وتزامن ذلك مع حالة من الغضب الشعبي بعد فشل الأجهزة المعنية في احتواء الأزمة سريعًا، وسط تساؤلات متكررة حول مدى التزام هذا النوع من المباني الحيوية باشتراطات السلامة المهنية والوقاية من أخطار الحريق.
وفي هذا السياق، أكد الدكتور حمدي عرفة، أستاذ الإدارة المحلية، أن ظاهرة الحرائق باتت مؤشرًا واضحًا على وجود ثغرات إدارية وتنفيذية وقانونية داخل مؤسسات الدولة، موضحًا أن أغلب المحافظات والمحليات تكتفي بدور المتفرج في مواجهة الكوارث، بينما يتجاهل المسؤولون في المواقع التنفيذية التخطيط المسبق أو بناء سيناريوهات واقعية للتعامل مع الأزمات.
وقال عرفة في تصريحات خاصة لـ “اليوم” إن الأزمة تكمن في وجود فجوة حادة بين عدد مفتشي السلامة والصحة المهنية وبين حجم وعدد المنشآت الحكومية والخاصة، مشيرًا إلى أن قانون العمل رقم 12 لسنة 2003 تسبب في تقليص أدوار الأجهزة الرقابية في هذا الصدد، ما أضعف الرقابة الوقائية على آلاف المنشآت الحيوية، مضيفًا أن المحافظين لم يقوموا بدورهم المنصوص عليه قانونًا في إدارة الأزمات، مستشهدًا بالمادة 25 بند 1 من قانون الإدارة المحلية رقم 43 لسنة 1979، والتي تنص على أن المحافظ هو المسؤول الأول عن اتخاذ القرارات البديلة في أوقات الأزمات التي تمس مصالح المواطنين، بما في ذلك الحرائق، لكنه أكد أن ما حدث في الأيام الأخيرة يكشف أن أغلب المحافظين اقتصر دورهم على الحضور الميداني في مواقع الحوادث، دون وجود استجابة إدارية فاعلة أو خطط بديلة واضحة للتعامل مع الأزمة.
وشدد استاذ الإدارة المحلية، على أن علم إدارة الأزمات يمر بعدة مراحل تبدأ بالتنبؤ المبكر، ثم التخطيط ووضع السيناريوهات المحتملة، تليها مرحلة إدارة الأزمة أثناء وقوعها، ثم مرحلة ما بعد الأزمة، التي تتطلب إدارة استراتيجية لضمان عدم تكرارها. وأوضح أن ما يحدث الآن يدل على غياب هذه المراحل تمامًا، وأن الدولة تتعامل مع الأزمات بردود أفعال مؤقتة، دون وجود بنية مؤسسية لإدارة الكوارث.
واعتبر أن غياب منظومة متكاملة للإطفاء داخل المنشآت الحكومية، وعدم توافر أجهزة استشعار وإنذار مبكر، يعكس تقصيرًا إداريًا جسيمًا، مضيفًا: “كيف يمكن لمنشآت تؤثر على مستقبل الخدمات الحكومية أن تظل بلا أنظمة إطفاء أو بدائل طارئة؟”
كما أشار إلى أن أجهزة الأمن الصناعي في عدد كبير من الوزارات والهيئات غير مدربة على احتواء الحرائق أو التعامل مع الطوارئ، وأن أغلبهم لا يخضع لأي برامج تدريب حقيقية تؤهله للتدخل الفوري.
وقال عرفة إن ما يزيد من تعقيد المشهد هو غياب التنسيق الكامل بين المحافظين والوزارات في أثناء وقوع الأزمة، مؤكدًا أن التواصل بين الجانبين في أغلب الأحيان لا يتجاوز الإخطار المتأخر بالحادث عبر غرف العمليات، دون اتخاذ إجراءات مشتركة للسيطرة أو التعامل.
وأشار إلى أن بعض الدول العربية والإقليمية لديها نماذج ناجحة في احتواء مثل هذه الكوارث، سواء عبر استخدام الطائرات في الحرائق الكبرى، أو من خلال فرق فنية دائمة داخل المؤسسات الحكومية، بينما لا تزال مصر تفتقر إلى هذه الأدوات، رغم تكرار الحرائق في منشآت رسمية تمس الأمن الخدمي والاقتصادي للدولة.
وطالب أستاذ الإدارة المحلية بسرعة إعادة النظر في منظومة الطوارئ والسلامة، ووضع آلية تنسيق فورية بين الدفاع المدني، والمحليات، والوزارات، وتوفير كوادر فنية مدربة في جميع المؤسسات الحكومية، مؤكدًا أن استمرار الوضع بهذا الشكل ينذر بكوارث أكبر، في ظل ضعف الاستعداد المؤسسي، وانعدام التخطيط الاستباقي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى