الجامع الأزهر.. ندوة قرآنية عن أسرار الهجرة النبوية وتُبرز معانيها
كتب: مصطفى على
في أجواء روحانية تعبق بنفحات الهجرة النبوية الشريفة، ووسط تفاعل جماهيري من مختلف فئات المجتمع، نظّمت اللجنة العليا للدعوة بمجمع البحوث الإسلامية، مساء أمس، الندوة الثالثة ضمن فعاليات الأسبوع الدعوي الثامن بالجامع الأزهر الشريف، تحت عنوان: “الهجرة النبوية في القرآن الكريم دلالات ومعطيات خالدة”، وذلك استجابة لتوجيهات فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، بشأن إحياء الوعي الديني وتأكيد دور الأزهر الأصيل في توجيه الفكر وبناء الإنسان.
وقد جاءت هذه الندوة استمرارًا لمشروع دعوي متكامل تتبناه اللجنة العليا للدعوة، يهدف إلى تسليط الضوء على القيم الإيمانية والإنسانية العظيمة التي حملتها الهجرة النبوية، انطلاقًا من الرؤية الأزهرية المتوازنة التي تجمع بين أصالة النص وواقعية العصر.
الهجرة النبوية.. لحظة الانطلاق الحضاري للمسلمين
خلال كلمته في الندوة، أضاء الدكتور عماد الدين عبده العجيلي، الأستاذ بجامعة الأزهر، جانبًا محوريًا في فهم الهجرة النبوية، حين وصفها بأنها “لحظة الانطلاق الحضاري الحقيقي” للمسلمين، مؤكدًا أن النبي محمدًا ﷺ أمضى ثلاث عشرة سنة في مكة يدعو إلى التوحيد ويتحمل صنوف الأذى والتنكيل، دون أن يتزحزح عن ثباته العقائدي.
وأوضح العجيلي أن هذا الابتلاء الشديد لم يكن عبثًا، بل لحكمة ربانية عميقة، إذ أراد الله أن يكون النصر والتمكين خارج مكة، بعيدًا عن شبهة العصبية القبلية، حتى لا يُقال إن النبي انتصر بدعم قريش، وإنما كان النصر إلهيًّا خالصًا، ليبقى الدين نقيًّا للعقيدة وحدها.
وأضاف أن المسلمين لم يختاروا بداية تقويمهم من مولد النبي، ولا من بداية بعثته، بل من لحظة الهجرة تحديدًا، لأنها تمثل نقطة التحول الكبرى في مسار الأمة، حين انتقل الإسلام من دائرة الاستضعاف إلى فضاء التمكين، ومن خطاب الدعوة السرية إلى تأسيس دولة تنشر القيم وتُرسي العدالة.
هجرات الأنبياء.. دروس إيمانية في الالتجاء إلى الله
من جهته، تناول الدكتور أشرف شعبان، الأستاذ بجامعة الأزهر، مسألة الهجرة من منظور أوسع، مستعرضًا تاريخ هجرات الأنبياء وكيف أن كل هجرة كانت تتم بأمر إلهي، لتكون دعوة صريحة للرجوع إلى الله، وهجر ما نهى عنه، مستشهدًا بقول النبي ﷺ: “المهاجر من هجر ما نهى الله عنه”.
وبيّن شعبان أن النبي ﷺ لم يهاجر هروبًا من الواقع أو فرارًا من الظلم، بل امتثالًا لأمر رباني واضح، ومن ثم أسّس في المدينة دولة عظيمة، قامت على أسس الأمن والعدل، واحتضنت القيم الإسلامية في أبهى صورها.
وأكد أن الهجرة النبوية تقدم للأمة نموذجًا خالدًا في التحول من الضعف إلى القوة بالإيمان، ومن الشتات إلى الوحدة بالرسالة، وأنها تبعث في النفوس معاني الصبر والتوكل والثقة بوعد الله، لا سيما في لحظات الضيق والانكسار.
القرآن الكريم والهجرة.. تأسيس عقائدي متدرج
أما الشيخ يوسف المنسي، عضو أمانة اللجنة العليا للدعوة، فتناول الحديث عن المنهج القرآني في عرض قضايا العقيدة والهجرة، مشيرًا إلى أن القرآن الكريم يتعامل مع العقيدة بأسلوب تربوي بالغ العمق والرحمة، حيث لا يُسقط الأحكام دفعة واحدة، بل يؤسس لها بالتدرج، ليُمهِّد النفوس ويُرسِّخ اليقين.
وأوضح المنسي أن الهجرة لم تُعرض في القرآن كحادث تاريخي فحسب، بل تم تناولها في سياق وعد إلهي عظيم للنبي ﷺ، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرآنَ لَرَادُّكَ إِلى مَعادٍ﴾، وهو ما يشير إلى أن الهجرة كانت موعودة قبل أن تتحقق، ومرتبطة بالفتح والعودة والنصر.
وقارن المنسي بين هذا الموقف ومواقف سابقة في مسيرة الأنبياء، مثل عودة يوسف من السجن وموسى إلى مصر، ليؤكد أن الهجرة ليست خروجًا بل عودة مُظفّرة ضمن خطة ربانية لصناعة العقيدة وترسيخ الإيمان في قلوب أتباع الرسالات.
مشروع دعوي متكامل لإحياء القيم الإيمانية والإنسانية
وتأتي هذه الندوة في إطار فعاليات الأسبوع الدعوي الثامن الذي تنظّمه اللجنة العليا للدعوة بمجمع البحوث الإسلامية، تحت عنوان: “الهجرة النبوية تدبيرٌ إلهي وبُعدٌ إنساني”، والذي يشمل ندوات دينية، لقاءات فكرية، ومحاضرات علمية تهدف إلى استلهام الدروس الحضارية من الهجرة، وتفعيل الخطاب الديني الوسطي في معالجة التحديات المعاصرة.
وبإشراف مباشر من فضيلة الأستاذ الدكتور محمد الضويني، وكيل الأزهر الشريف، وفضيلة الأستاذ الدكتور محمد الجندي، الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية، تسعى اللجنة إلى ترسيخ القيم الإيمانية في الوجدان العام، وتعزيز الوعي الديني الصحيح، بما يعكس الدور المتجدد للأزهر الشريف كحاضنة للفكر الوسطي، ومرجعية روحية وعلمية رائدة في العالم الإسلامي.
الأزهر.. منارة متجددة لبناء الإنسان
في ختام الفعالية، شدّد المتحدثون على أن الهجرة النبوية ليست حدثًا تاريخيًا يُحتفى به فحسب، بل هي منهج حياة، ينبغي أن يُستعاد في كل لحظة تُواجه فيها الأمة أزمات فكرية أو سلوكية، مؤكدين أن الرسالة الكبرى للهجرة تتمثل في إعادة تشكيل الإنسان على قيم الإيمان، والوعي، والانتماء الحقيقي للدين والوطن.
ويؤكد المشروع الدعوي للجنة العليا للدعوة بمجمع البحوث الإسلامية أن الأزهر الشريف لا يزال يقوم بدوره الريادي في التوجيه والتنوير، في مواجهة التيارات الفكرية المنحرفة، والتحديات التي تهدد منظومة القيم في المجتمعات المعاصرة.