الأزهر: الهجرة النبوية في مرآة الواقع المعاصر
تقرير:مصطفى على
شهدت اللجنة العليا للدعوة بمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف ختام فعاليات “الأسبوع الدعوي الثامن”، بندوة موسعة جاءت تحت عنوان: “دروس الهجرة في واقعنا المعاصر”. شارك في الندوة نخبة من كبار علماء الأزهر الشريف، تقدمهم الدكتور ربيع الغفير، أستاذ اللغويات بجامعة الأزهر، والدكتور حسن يحيى، الأمين العام المساعد للجنة العليا لشؤون الدعوة، والدكتور أبو اليزيد سلامة، مدير عام شؤون القرآن الكريم، وأدار الجلسة الشيخ يوسف المنسي، عضو الأمانة العامة للجنة العليا.
وقد اتخذت الندوة من الهجرة النبوية منطلقًا لفهم التحديات الراهنة، واستقراء الحلول المستمدة من السيرة النبوية، مؤكدة أن الحدث التاريخي الجليل ما يزال يحمل في طياته من المعاني والقيم ما يكفي لبناء مجتمع متماسك يواجه تحديات العصر بوعي وثبات.
استلهام السيرة النبوية: مفتاح للفهم والتغيير
استهل الدكتور حسن يحيى كلمته بالتأكيد على أن استقراء السيرة النبوية ليس مجرد مراجعة لأحداث الماضي، بل هو وسيلة حيوية لفهم الحاضر واستشراف المستقبل.
وقال إن الهدف من دراسة السيرة يتمثل في استخلاص المعاني الراقية التي تهذب النفوس وتبني المجتمعات، وتجعل منها كيانات مستقرة وحضارية.
وأوضح يحيى أن تمثّل السيرة النبوية في حياة الأفراد والمجتمعات يساهم في تحقيق التوازن بين الروح والعقل، ويقود إلى حياة متكاملة، مشددًا على أن الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم لا يجب أن يكون نظريًا فقط، بل عمليًا في أدق تفاصيل الحياة.
“لا تحزن إن الله معنا”: حين تتحول لحظات الخوف إلى يقين
أما الدكتور أبو اليزيد سلامة، فقد توقف عند اللحظة الخالدة في الغار، حين قال النبي الكريم صلى الله عليه وسلم لأبي بكر الصديق: “لا تحزن إن الله معنا”.
واعتبر سلامة أن هذه الكلمات تمثل ذروة الثقة بالله، وتحول الخوف الطبيعي إلى يقين إيماني لا يتزعزع، وهي لحظة ينبغي أن تستلهمها الأمة اليوم وسط ما تمر به من محن واضطرابات.
وأكد أن هذه الآية تجسّد درسًا روحيًا عظيمًا في الثقة المطلقة بقدرة الله، مع ضرورة الجمع بين هذه الثقة والعمل الجاد، قائلًا: “لا يكفي أن نطمئن بأن الله معنا، بل لا بد أن نبذل الجهد في مواجهات الحياة”.
بين القلب والعقل: كيف علمتنا الهجرة اتخاذ القرار الصعب
في محور آخر من كلمته، أشار الدكتور أبو اليزيد سلامة إلى أن الهجرة علمتنا كيفية اتخاذ القرار الصعب حين تتعارض مشاعر القلب مع صوت العقل وضرب مثالًا بموقف النبي صلى الله عليه وسلم الذي ترك مكة، أحب البلاد إليه، لأن المصلحة الدعوية اقتضت الانتقال إلى أرض أكثر استعدادًا لقبول الرسالة.
وأضاف أن هذه اللحظة تمثل قمة الحكمة والحنكة القيادية، وأن مقولة أبي بكر الصديق: “لو هلكت أنت يا رسول الله لهلكت الأمة”، تعبّر عن التضحية بالمصلحة الشخصية في سبيل المصلحة العامة، وهو مبدأ ينبغي أن يترسخ في وجدان الأفراد وصنّاع القرار على حد سواء.
شباب الهجرة.. رسائل في الشجاعة والوفاء
وأكد الدكتور سلامة على أهمية دور الشباب في مسيرة الهجرة، مبرزًا شخصية سيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، الذي نام في فراش النبي رغم خطر الموت، من أجل تأدية الأمانات التي عهد إليه بها رسول الله.
وقال إن هذا الموقف يعكس مبدأ “الخلق فوق كل اعتبار”، وإنه يوضح كيف يُبنى المجتمع على أساس من الأخلاق النبيلة والشجاعة في وقت الأزمات.
وشدد على أن غرس هذه الروح في نفوس الشباب اليوم هو الضمانة الحقيقية لمستقبل الأمة، حيث لا تنفع التكنولوجيا ولا التخصصات الحديثة ما لم يرافقها ضمير أخلاقي.
الهجرة: مدرسة لبناء المجتمعات والعبور الآمن نحو التغيير
من جهته، اعتبر الدكتور ربيع الغفير أن الهجرة النبوية ليست مجرد انتقال مكاني، بل هي انتقال حضاري وثقافي وروحي، يُبنى عليه مشروع نهضة أمة. وأوضح أن الهجرة علمتنا التخطيط السليم واتخاذ القرار في الوقت المناسب، والتكافل المجتمعي في وجه الشدائد.
واستشهد الغفير بالمفكر الإنجليزي جورج برنارد شو، الذي قال: “ما أحوج العالم اليوم إلى رجل مثل النبي محمد ليحل مشاكل العالم”، مشيرًا إلى أن عظمة النبي لا تكمن فقط في قيادة أمة، بل في قدرته على تحويل الألم إلى أمل، والتحدي إلى نصر.
أربعة اختبارات إيمانية صنعت جيلًا فريدًا
وتناول الدكتور الغفير أبرز المحطات التي مر بها الجيل الأول من المسلمين، والتي وصفها بأنها اختبارات إيمانية متدرجة ومتكاملة فبعد الإسراء والمعراج، جاءت الهجرة كتحدٍّ في التضحية بالوطن والأهل، ثم اختبار تحويل القبلة، وصولًا إلى ملحمة بدر، التي كانت الفيصل بين مرحلة الصبر ومرحلة التمكين.
وقال إن هذه الاختبارات صاغت شخصية المسلم القوي القادر على حمل الأمانة وتبليغ الرسالة، وإن العالم اليوم بحاجة إلى إعادة إنتاج هذا النموذج لبناء مجتمعات متماسكة وقوية.
القيادة النبوية: نموذج في الحكمة والحنكة
وتوقف الدكتور الغفير عند قيادة النبي صلى الله عليه وسلم خلال الهجرة، مشيدًا بحكمته وتدبيره، معتبرًا أن هذا النمط من القيادة يجب أن يكون قدوة لكل مسؤول وقائد في العالم الإسلامي. واستشهد بموقف أبي بكر الصديق الذي عرض حياته للخطر من أجل سلامة النبي، ليؤكد أن الصداقة في الإسلام مبنية على الإيثار والمودة في الله.
وأشار إلى أن الأمة اليوم بأمسّ الحاجة إلى نماذج قيادية على منهج النبوة، تجمع بين الإخلاص والوعي والإدارة الرشيدة، لأن الأزمات لا تُحل بالخطب، بل بالقدوة العملية والمبادرة الشجاعة.
إشراك المجتمع في الرسالة: منهج نبوي عميق
وفي ختام الندوة، تحدث الشيخ يوسف المنسي عن البعد المجتمعي للهجرة، مؤكدًا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يهاجر منفردًا، بل أشرك أصحابه في القرار والمسؤولية، وهذا يدل على أهمية العمل الجماعي والتكامل في بناء الأمة.
وأوضح المنسي أن الرجال الذين خاضوا الهجرة مع النبي كانوا مؤهلين بعد ذلك لقيادة المجتمع، وأن هذا التأهيل هو الذي حافظ على استقرار الأمة بعد وفاة النبي، وهو ما يجب أن نستحضره اليوم في إعداد الأجيال الجديدة، لا سيما في ظل محاولات زعزعة القيم وتفكيك المجتمعات.
دروس لا تنتهي.. وأسبوع يفتح أبوابًا من الوعي المتجدد
جاءت ندوة “دروس الهجرة في واقعنا المعاصر” لتشكل مسك الختام لأسبوع دعوي ثري بالأفكار والمفاهيم التربوية والدعوية، وقد أكدت مجددًا أن الهجرة ليست ذكرى تُستعاد، بل منظومة قيمية وروحية تصلح لكل زمان ومكان لقد أجمعت كلمات المحاضرين على أن المستقبل الإسلامي لا يُبنى إلا على أسس من الإيمان والعقل، ومنهج النبوة، الذي قدّم للعالم أنموذجًا فريدًا في التغيير والقيادة والبناء.
